الآلوسي

215

تفسير الآلوسي

وجهه ، وقيل : على التمييز وإنما علق الوعيد على الأكل بذلك لأنه قد يأكل مال اليتيم على وجه الاستحقاق كالأجرة والقرض مثلاً فلا يكون ظلماً ولا الآكل ظالماً . وقيل : ذكر الظلم للتأكيد والبيان لأن أكل مال اليتيم لا يكون إلا ظلماً ومن أخذ مال اليتيم قرضاً أو أجرة فقد أكل مال نفسه ولم يأكل مال اليتيم وفيه منع ظاهر . * ( إنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونهمْ ) * أي ملء بطونهم ، وشاع هذا التعبير في ذلك ، وكأنه مبني على أن حقيقة الظرفية المتبادر منها الإحاطة بحيث لا يفضل الظرف عن المظروف فيكون الأكل في البطن ملء البطن ، وفي بعض البطن دونه ، وهو المراد في قوله : كلو في بعض بطنكم تعفوا * فإن زمانكم زمن خميص ولا ينافي هذا قول الأصوليين : إن الظرف إذا جر بفي لا يكون بتمامه ظرفاً بخلاف المقدرة فيه ، فنحو سرت يوم الخميس لتمامه وفي يوم الخميس لغيره ، فقد قال عصام الملة : إن هذا مذهب الكوفين ، والبصريون لا يفرقون بينهما كما بين في النحو ، وقال شهاب الدين : الظاهر إن ما ذكره أهل الأصول فيما يصح جره بفي ونصبه على الظرفية ، وهذا ليس كذلك لأنه لا يقال : أكل بطنه بمعنى في بطنه فليس مما ذكره أهل الأصول في شيء ، وهو مثل جعلت المتاع في البيت فهو صادق بملئه وبعدمه لكن الأصل الأول كما ذكروه . وجوز أن يكون ذكر البطون للتأكيد والمبالغة كما في قوله تعالى : * ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) * ( آل عمران : 167 ) والقول لا يكون إلا بالفم ، وقوله تعالى : * ( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) * ( الحج : 46 ) والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقوله سبحانه : * ( ولا طائر يطير بجناحيه ) * ( الأنعام : 38 ) والطير لا يطير إلا بجناح ، فقد قالوا : إن الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة ، ثم المظروف هنا المفعول أي المأكول لا الفاعل ، وتحقيق ذلك على ما نقل عن التمرتاشي في الأيمان أنه إذا ذكر ظرف بعد فعل له فاعل ومفعول كما إذا قلت : إن ضربت زيداً في الدار ، أو في المسجد فكذا فإن كانا معاً فيه فالأمر ظاهر ، وإن كان الفاعل فيه دون المفعول ، أو بالعكس فإن كان الفعل مما يظهر أثره في المفعول كالضرب والقتل والجرح فالمعتبر كون المفعول فيه وإن كان مما لا يظهر أثره فيه كالشتم فالمعتبر كون الفاعل فيه ، ولذا قال بعض الفقهاء : لو قال : إن شتمته في المسجد أو رميت إليه فشرط حنثه كون الفاعل فيه ، ولو قال : إن ضربته أو جرحته أو قتلته أو رميته فشرطه كون المفعول فيه ، وإنما كان الرمي في الأول مما لا يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم من القوس بنيته ؛ وذلك مما لا يظهر له أثر في المحل ولا يتوقف على وصول فعل الفاعل ، وفي الثاني مما يظهر له أثر لأنه أريد به إرسال السهم ، أو ما يضاهيه على وجه يصل إلى المرمى إليه فيجرحه أو يوجعه ويؤلمه ، ولا شك أن ما نحن فيه من قبيل هذا القسم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام على ذلك . والجار والمجرور متعلق - بيأكلون - وهو الظاهر ، وقيل : إنه حال من قوله تعالى : * ( نَاراً ) * أي ما يجرّ إليها فالنار مجاز مرسل من ذكر المسبب وإرادة السبب ، وجوز في ذلك الاستعارة على تشبيه ما أكل من أموال اليتامى بالنار لمحق ما معه ، واستبعده بعض المحققين ، وذهب بعضهم إلى جواز حمله على ظاهره ، فعن عبيد الله بن جعفر أنه قال : من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فمه جمراً ويقال له كل ما أكلته في الدنيا ثم يدخل السعير الكبرى . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : " حدثني النبي صلى الله عليه وسلم عن